أمن الحدود أهم من البشر.. استراتيجية الدفاع الأمريكية تتجاهل تغيّر المناخ

أمن الحدود أهم من البشر.. استراتيجية الدفاع الأمريكية تتجاهل تغيّر المناخ
وزارة الدفاع الأمريكية

يطرح إصدار وزارة الدفاع الأمريكية استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 إشكالاً يتجاوز حدود الجدل السياسي إلى صميم الحق في الحياة والأمان، بعدما تجاهلت الوثيقة بشكل كامل تغيّر المناخ، رغم تصنيفه سابقاً تهديداً ناشئاً للأمن القومي، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات حادة بشأن تعريف الدولة لمفهوم الأمن، ومن تشملهم حمايته.

أصدر البنتاغون الاستراتيجية الجديدة، وفق ما أوردته مجلة "فورين بوليسي"، دون أي مراسم أو نقاش عام، بعد أسبوع مضطرب من التحولات في السياسة الخارجية الأمريكية، ما أسهم في مرور الوثيقة دون تدقيق واسع، رغم ما تحمله من تغييرات جذرية في طريقة فهم المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة.

ويُلاحظ أن الاستراتيجية الجديدة تستبدل التقييمات الواقعية للمخاطر بشعارات أيديولوجية، مثل "أمريكا أولاً" و"استعادة روح المحارب"، في سياق يطغى عليه التملق السياسي، بحسب توصيف تحليل أجرته المجلة.

وينتقد أستاذ الشؤون العامة في جامعة تكساس في أوستن والمستشار السابق لشؤون المناخ في وزارة الدفاع الأمريكية جوش بوسبي، إلى جانب أستاذ مساعد في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون جريج بولوك، ما وصفاه بانطلاق الوثيقة من ادعاءات كاذبة أو مسيّسة، منها تصوير العالم وكأنه على حافة حرب عالمية، واعتبار الهجرة غير النظامية تهديداً عسكرياً استراتيجياً، ويريان أن هذا الخطاب يُقصي فهماً أوسع للأمن الإنساني، ويعيد صياغة المخاطر بمنطق أمني ضيق.

يتجاهل النص الجديد، على عكس استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2022، تغيّر المناخ تماماً، رغم كونه عامل ضغط رئيسياً في بيئة الأمن العالمي، كما لا يتطرق إلى لوجستيات الطاقة التي تُعد عنصراً حاسماً في قدرة القوات الأمريكية على العمل عبر مسارح عمليات واسعة، خصوصاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

المناخ خطر مُهمَل

يوضح الكاتبان، اعتماداً على خبراتهما السابقة داخل وزارة الدفاع، أن إدراج المناخ والطاقة في استراتيجية 2022 لم يكن خياراً سياسياً، بل نتيجة إدراك مؤسسي بأن تغيّر المناخ يهدد سلامة السكان المدنيين واستمرارية العمليات العسكرية على حد سواء. 

ويشير التحليل إلى أن الأعاصير المدمرة تسببت في أضرار بمليارات الدولارات لقاعدة تيندال الجوية، ومعسكر ليجون، وقاعدة أوفوت الجوية بين عامي 2018 و2019.

يكشف التقرير أن حرائق الغابات المتكررة زادت من الطلب على الحرس الوطني لدعم السلطات المدنية بنسبة تقارب 1200% بين عامي 2016 و2021، في حين نشر الجيش الأمريكي قواته داخل الولايات المتحدة 50 مرة خلال عام 2025 فقط لمواجهة مخاطر مرتبطة بالمناخ، منها استدعاء أكثر من 1800 جندي لمكافحة حرائق الغابات في كاليفورنيا.

ورغم هذه الأرقام، تغفل الاستراتيجية الجديدة تماماً الإشارة إلى هذا النوع من "الدعم الدفاعي للسلطات المدنية".

يربط التحليل بين تغيّر المناخ وتصاعد الهجرة، موضحاً أن ظروف الجفاف والحرارة غير المعتادة في أمريكا الوسطى خلال العقد الماضي شكّلت عاملاً رئيسياً للهجرة نحو الولايات المتحدة، ويؤكد الكاتبان أن تجاهل هذا الارتباط يعكس رؤية أمنية تختزل التهديدات في أدوات عسكرية متجاهلة الجذور البيئية والإنسانية للأزمات.

يمتد الإغفال، وفق تحليل "فورين بوليسي"، إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتعرض منشآت عسكرية أمريكية على جزر منخفضة لمخاطر متزايدة، وتكبدت منشآت في غوام وجزيرة كواجالين المرجانية خسائر بمليارات الدولارات بسبب الأعاصير والأمواج العاتية في عامي 2023 و2024.

وفي دول جزر مارشال التي تستضيف أصولاً أمريكية استراتيجية، يُعد ارتفاع مستوى سطح البحر تهديداً أكثر إلحاحاً من الصين نفسها.

سياسات البنتاغون السابقة

تعرض يورونيوز الاستراتيجية الجديدة بوصفها تحولاً حاداً عن سياسات البنتاغون السابقة، مع تركيز أكبر على الأمن الداخلي، وتقليص التدخلات الخارجية، ومطالبة الحلفاء بتحمل مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.

وتشير إلى أن الوثيقة الممتدة على نحو 34 صفحة تعكس فلسفة "أمريكا أولاً"، مع لهجة أكثر اعتدالاً تجاه الصين وروسيا مقارنة بالاستراتيجية السابقة في عهد الرئيس جو بايدن.

ومن جانبها تؤكد "يورونيوز" أن الاستراتيجية لم تتطرق إلى خطر تغيّر المناخ، رغم تصنيفه سابقاً تهديداً ناشئاً، وهو ما يتقاطع مع انتقادات فورين بوليسي وإن اختلف أسلوب التناول. فبينما يركز تقرير يورونيوز على إعادة صياغة دور القوات الأمريكية، وربط الأولويات بإغلاق الحدود وترحيل المهاجرين غير النظاميين، يبرز التحليل الآخر غياب أي تصور للتعامل مع المخاطر البيئية المتفاقمة.

تسلط التغطية الضوء على إحياء ما وصفه مراقبون بـ"ملحق ترامب لعقيدة مونرو"، عبر إعادة ترسيخ الهيمنة العسكرية الأمريكية في أمريكا اللاتينية، وتبرير عمليات عسكرية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ ضمن هذا الإطار.

وتشير إلى تنفيذ أكثر من ثلاثين ضربة منذ سبتمبر الماضي، أسفرت عن مقتل أكثر من 110 أشخاص، دون تقديم أدلة دامغة على تورط الأهداف في تهريب المخدرات.

يتجاهل هذا التوجه، بحسب تحليل فورين بوليسي، السياق المناخي الأوسع، خصوصاً في القطب الشمالي، حيث تتزايد الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند بسبب ذوبان الجليد البحري، وهو نتاج مباشر لتغيّر المناخ، ورغم تهديد إدارة ترامب بضم غرينلاند وكندا بدعوى الأمن، لا تذكر الاستراتيجية الجديدة هذا العامل المناخي المحوري.

الطاقة والمعادن

يغفل نص الاستراتيجية، كما يورد التحليل، أي ذكر للطاقة، رغم التشديد على إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية، ولا تشير الوثيقة إلى تحديات مرونة الطاقة، أو الوصول إلى المعادن الحيوية، أو الاستثمار في تخزين الطاقة، وهي عناصر حاسمة في حال نشوب صراع في المحيط الهادئ، حيث لا يمكن الاعتماد على نقل الوقود برياً كما كانت الحال في أفغانستان والعراق.

يوضح الكاتبان أن نهج إدارة ترامب تجاه سلاسل إمداد البطاريات غير متماسك، إذ قوّض العداء للسيارات الكهربائية الطلب المحلي، ما كلّف قطاع السيارات الأمريكي أكثر من 25 مليار دولار، وأضعف فرص تطوير مصدر محلي لمكونات تحتاجها المؤسسة العسكرية، ويجعل هذا النهج الولايات المتحدة أكثر اعتماداً على الصين في هذا المجال.

وتختتم فورين بوليسي نقدها بالتشكيك في وصف الاستراتيجية الجديدة بأنها "واقعية صارمة"، معتبرة أن تجاهل التهديدات المناخية يحوّل التخطيط الدفاعي إلى مجموعة أمنيات. وفي مقابل ذلك، تنقل يورونيوز صورة استراتيجية تعيد ترتيب الأولويات الجيوسياسية دون معالجة المخاطر البيئية، ما يفتح تساؤلات حول مفهوم الأمن الذي تحميه الدولة، ومن تُقصيهم هذه الرؤية من دائرة الحماية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية